ابن الجوزي

269

صيد الخاطر

وما فهم شيئا . وهذا مثال من لا يعلم وجوده ، ولا نال المراد من كونه . ومن الصبيان من يجمع مع بعد ذهنه وقلة فهمه وعدم تعلمه أذى الصبيان ، فهو يؤذيهم ، ويسرق مطاعمهم ، ويستغيثون من يده ، فلا هو صلح ولا فهم ولا كف الشر . وهذا مثل أهل الشر والمؤذين . ومن الصبيان من علق بشيء من الخط لكنه ضعيف الاستخراج ، ردي الكتابة ، فخرج ولم يعلق الا بقدر ما يعلق به حساب معاملته وهذا مثل من فهم بعض الشيء وفاتته الفضائل التامة . ومنهم من جوّد الخط ولم يتعلم الحساب ، وأتقن الآداب حفظا ، غير أنه قاصر في أدب النفس . فهذا يصلح أن يكون كاتبا للسلطان على مخاطرة لسوء ما في باطنه من الشره وقلة التأدب . ومنهم من سمت همته إلى المعالي الكاملة ، فهو مقدم الصبيان في المكتب ونائب عن معلمهم ، ثم يرتفع عنهم بعزة نفسه ، وأدب باطنه ، وكمال صناعة الآداب الظاهرة . ولا يزال حاث من باطنه يحثه على تعجيل التعلم ، وتحصيل كل فضيلة لعلمه أن المكتب لا يراد لنفسه بل لأخذ الأدب منه ، والرحلة إلى حالة الرجولية والتصرف ، فهو يبادر الزمان في نيل كل فضيلة . فهذا مثل المؤمن الكامل يسبق الأقران يوم التجاري ، ويعرض لوح عمله جيد الخط ، فيقول بلسان حاله « هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ » . وكذلك الدنيا وأهلها . من الناس هالك بعيد عن الحق وهم الكفار . ومنهم خاطئ مع قليل من الايمان فهو معاقب والمصير إلى خير . ومنهم سليم لكنه قاصر . ومنهم تام لكنه بالإضافة إلى من دونه ، وهو ناقص بالإضافة إلى من فوقه . فالبدار البدار يا أرباب الفهوم فان الدنيا معبر إلى دار إقامة ، وسفر إلى القرب من السلطان ومجاورته فتهيئوا للمجالسة واستعدوا للمخاطبة ، وبالغوا في استعمال الأدب لتصلحوا للقرب من الحضرة . ولا يشغلنكم عن تضمير الخيل تكاسل . وليحملكم على الجد في ذلك تذكر يوم السباق ، فان قرب المؤمنين من الخالق على قدر حذرهم في الدنيا ، ومنازلهم على قدرهم ، فما منزل النفاط كمنزل الحاجب ، ولا منزل الحاجب كمكان الوزير ، جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما ، وجنتان من